الحياة الشخصية عند أهل البيت (ع)

أضيف بتاريخ ١٠/١٤/٢٠١٨
اللجنة الإعلامية


للتحميل:

اضغط هنا

 

الحياة الشخصية عند أهل البيت

بسم الله الرحمن الرحيم

الحياة الشخصية لماذا ؟!

يشهد عالمنا الإسلامي منذ سنوات عودة إلى الذات وتقدماً نحو فهم المضامين الدينية من قبل اكثر فئات المجتمع مثقفيه وعوامه، وشبابه وناشئته، وهذا الأمر يحدونا إلى التعرف على نمط الحياة المطلوبة للإنسان المسلم ذلك أن أول تجل مطلوب لهذه المضامين إنما يلحظ في نمط الحياة التي يختارها الإنسان، وربما يكون أيضا أصعبها. ذلك أنه من السهل أن تتم مطالبة الآخرين و(الغير) بتطبيق المبادئ، ولكن من الصعب أن يجسد هذا المطالب مطالبه في حياته.
كلأ وإذا كان يمكن للكثير أن يتحلوا بالأخلاق في المجتمع، ولعرف عنهم في حياتهم العملية.. مثلا- الحسنات والدعوات الصالحة ، فليس هذا دليلا نهائيا على سلامة الشخصية، بل ينبغي النظر إلى الحياة (الخاصة) والسيرة الشخصية، وإلى السلوك في المنزل، وإلى التعامل مع الزوجة وإلى إدارة الأطفال.. إلى حيث يبقى المرء وحيدا بلا رقابة خارجية بل صاحب السيطرة.. فكيف تكون أخلاقه ؟! وأي نمط يجسد ؟!
من هنا كان ضرورياً اللجوء إلى حياة المعصومين عليهم السلام وفي طليعتهم سيدهم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي سئلت زوجته عائشة عن أخلاقه- في المنزل- فأجابت: كان خلقه القران.
الحياة الشخصية بتفاصيلها التي نعيشها باعتبارنا اكثر قدرة على فهم ضروراتها وضغوطها، وكونها تخرج عن ذلك الحاجز السميك الذي صنعناه حول أنفسنا من كونهم (عليهم السلام) معصومين، وبالتالي خرجوا في (وعي البعض) عن دائرة البشر إلى دائرة الملائكة..
بالطبع سوف نجد في نهاية المطاف ذلك التناغم الرائع بين ما يقوله المعصومون من مبادئ وبين ما يعيشونه في حياتهم الشخصية من وقائع. وبالرغم من أن هذا الجانب من حياتهم المباركة لم يتناول في شكل نظرية كاملة، بل أستطيع القول لم يول العناية الكافية نظرا لوقوعه في دائرة الآداب والسنن غالبا، وهذه لا يتناولها المؤرخون باعتبارها ليست إحداثا تاريخية مهمة فهي خارجة عن اختصاصهم، كما يتسامح فيها الفقهاء نظرا للتسامح في أدلة السنن، إضافة إلى كونها تتعلق بالحياة الشخصية فلم يفصل فيها أهل البيت عليهم السلام كما بسطوا الحديث في مواضيع أخرى. لذلك نضطر إلى التقاط نقطة من هنا وإشارة من هناك واستظهارا من هذا الحديث، ومحاولة تفسير لذلك الحديث حتى نصل إلى القيم العامة الجامعة بين هذه التفاصيل.

* إننا في هذا الموضوع على حدي سيف قاطع:
- البشرية المطلقة.
- الغيبية المطلقة.

وكلاهما مخيف إن تم التمسك به، ذلك أن مآل الطريق الأول والذي سلكه بعض المسلمين تحويل المعصومين وفي طليعتهم سيد الخلق والرجل الأكمل في الكون إلى إنسان عبثي يخجل المسلم من النظر في أحاديث سيرته.
واني لا يكاد ينتهي تعجبي ممن يفكر بهذه الصورة بالنسبة للرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) فهو على قول بعضهم- والعياذ بالله- رجل مشرك مدة أربعين سنة، وعلى دين قومه قبل البعثة وهو الذي ينهض بعد بعثته لكي يجامل قومه أو نسيانا فيضيف إلى القرآن آيات تمجد الأصنام!! وهو صاحب اللعب مع زوجاته وتارك شؤون الأمة ليقوم بسباق الضاحية معهن فيسبق مرة ويخسر أخرى!! و.. و.. إلى غير ذلك..
هذا والإفراط في النظرة البشرية المطلقة ينتهي بنا إلى أن يكون بعض العلماء المتنزهين عن القبائح المذكورة افضل سيرة من هذا الشخص، وهو خلاف كل المعتقدات.
كما ان الإفراط في الجانب الغيبي لدى مجموعة أخرى من المسلمين من الذين رفعوا المعصومين فوق منازلهم، لتصورهم بأنهم بذلك يقدرونهم ويحترمونهم، هو الآخر بدوره اشتباه كبير.. إن هذه المنزلة لا لأنهم أنصاف ملائكة، وان دمهم كذا وتركيبهم الجسمي كذا.. وإنما تبوؤا هذه المنزلة العظمى لأنهم كانوا بشرا مثلنا ولكنهم ارتفعوا بالوحي والعلم الإلهي، وتطبيق القرآن إلى درجة أعلى من منازل الملائكة.
إن الفخر والمجد الذي حصل عليه هؤلاء هو انهم عاشوا ضرورات الجسد وضغوط الواقع الخارجي وعوامل الهبوط ولكنهم مع ذلك اخلصوا العبادة لله حتى اختصهم واستخلصهم، ويلخص القرآن الكريم هذه المعادلة بالجمع بين حالتي البشرية والغيبية بقوله:- حاكيا عن لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)..

- (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما ألهكم إله واحد) .
- (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) .

يتعين على القارئ للسيرة الشخصية للمعصومين عليهم السلام أن يتحرك في إطار هذين الحدين، فلا بشرية تنزل بالمعصوم إلى القبائح العرفية فضلا عن المحرمات باعتباره في اعتقادنا الأكمل في وقته- ومطلقا بالنسبة للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)-، ولا غيبية ترفعه عن الأرض التي يعيش عليها لتحجز مكانه في السماوات بين الملائكة.

* كان من نتائج غياب النظرية الكاملة في هذا الجانب ان تعددت التفاسير تبعا للتمسك بالتفاصيل، من دون ملاحظة القيم العامة والخطوط الرئيسية فإذا كانت ميول شخص (تقشفية) فإنك تراه يجمع الأحاديث الواردة عن زهد أمير المؤمنين عليه السلام وشربه اللبن الحازر الحامض مع كسرات شعير يكسرها بركبته ليبسها. بينما إذا كان ممن انعم الله عليه، وكان من أهل التأنق فانه يحفظ جيدا أحاديث لبس الإمام الصادق والرضا عليهما السلام تلك الأكسية اليمنية الجيدة والثمينة.
وهذا الأمر ليس جديدا، إذ إننا نواجه في التاريخ أيضا إشارات تنبيه إلى هذا الفهم فهذا ابن المنكدر يذهب لينصح الإمام الباقر (عليه السلام) وقد رجع من عمله في بستان له وهو يتصبب عرقا، ينصحه بترك الدنيا فيرده الإمام ويعرفه الخط العام لمعنى طلب الدنيا، وهؤلاء قوم من الصوفية يدخلون على الإمام الصادق فينكرون عليه بعد أن رأوا عليه ثيابا بيضا كأنها غرقىء البياض .
ان هذا ليس من ثيابه ولا من ثياب آبائه كرسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام فيخبرهم بمدخلية الزمان والظروف في تغيير التفاصيل مع المحافظة على القيم .
وهنا من الضروري البحث عن عدة قضايا أثناء التعرض إلى تفاصيل تلك الحياة المباركة للمعصومين عليهم السلام.
فهل كل الأعمال التفصيلية تدخل في إطار السنة ؟! مثلا تفضيل هذا المعصوم للطعام الكذائي، وتفضيل معصوم آخر لنوع آخر هل يدخل ضمن (الحالة البشرية) ولا مدخلية للحكم الشرعي ؟! خصوصاً انه توجد لدينا أحاديث تبين عدم الاتفاق على التفاصيل في تفضيل هذا الطعام أو ذاك ؟
وهل للزمان مدخلية في آكل هذا النوع، ولبس ذلك الصنف، والزواج من هذا الجنس ؟!
وهل للموقع الذي يشغله الشخص في المجتمع مدخلية في تعيين النمط المطلوب في الحياة الشخصية، فإذا كان قائدا ينبغي أن يكون بشكل كما يستفاد من حديث الإمام أمير المؤمنين مع عاصم بن زياد وإذا لم يكن فبشكل آخر ؟!
بل.. هل للمكان دور في تعيين جانب من الحياة الشخصية ؟! فإذا كان مثلاً الأكل الفلاني بالمدينة مناسبا ومطلوبا فهل يكون بخراسان أيضا مطلوبا مع اختلاف الأجواء، بل ومع اختلاف الأشخاص أيضا، هذا بناء على أن توجيهات المعصومين في هذا الجانب موافقة لقواعد الصحة- إن قلنا بكونها إرشادية- على الامثل ؟!
ثم ما هو المطلوب.. هل هو التفاصيل أم القيم العامة ؟! هل المطلوب الزهد في الدنيا- بمعناه الحقيقي- ؟! أم هناك علاقة خاصة مع الصوف باعتباره صوفا ؟!
هل هي القناعة والخشونة أم حب عذري لأقراص الشعير ؟!
هذه الأسئلة وسواها قد تجد إجابة في الصفحات القادمة- كما سنحاول ونرجو ، وقد لا تجد، لكنها تفتح القمقم عن مارد العقل للتأمل في سيرهم الشخصية ولعلها تكون البسملة لسور آخرين من الباحثين.
فوزي آل سيف 
1/11/1410هـ