صفحات من التاريخ السياسي للشيعة

أضيف بتاريخ ١٠/١٤/٢٠١٨
اللجنة الإعلامية


للتحميل:

اضغط هنا

 

مقدمة وتمهيد

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم تحولا مهما في الوضع الشيعي على مستوى العالم لاحظه المراقبون وتوقفوا عند دلالاته. بعضهم عبر عنه بـ (صحوة الشيعة) وآخرون تحدثوا عن (انبعاث) الطائفة،وبعضهم عن صحوة المستبعَدين.

فعلى المستوى السياسي تحقق لهم لأول مرة دولة قائمة على أساس ديني بقيادة علماء دين بعد ثورة استطاعت القضاء على النظام الشاهنشاهي الموالي للغرب. وقد نختلف أو نتفق في تفاصيل ما يجري على الساحة الإيرانية، غير أن بقاء هذه الثورة لمدة ثلاثين سنة، قدمت خلالها نموذجا في المواءمة بين قيم الدين وأحكامه من جهة وبين متطلبات الدولة الحديثة من جهة أخرى يُعد انجازًا مهمّا.

وفي تجربة المقاومة للعدو الإسرائيلي قدم الشيعة اللبنانيون مثالا طيبا، استطاعوا فيه إسقاط فكرة الجيش الذي لا يقهر والذي عملت إسرائيل باستمرار على تكريسها بالقول والفعل.. فقد خرج الإسرائيليون مرغمين تحت وطأة الضربات المتتابعة التي وجهتها لهم المقاومة في سنة 2000 في مشهد أثار الكثير من المعاني والتداعيات، وعندما حاولوا أن يعيدوا شيئا من الثقة بجيشهم، إذا بهم يواجهون قوة أسطورية تتصدى لهم، وكان أقصى غاياتهم أن يقنعوا من الغنيمة بالإياب من (بنت جبيل) ووحول الجنوب!، ولكي لا يرجعوا بالفضيحة فقد صبوا جام غضبهم على البنايات والعمارات والمدنيين، فكانت فضيحة أخرى أعظم في عام 2006م.

وفي مجال آخر خاض الشيعة تجربة يعتقد بأنها أكثر نضجا وهي التجربة العراقية الحديثة، فبالرغم من خروجهم من حالة الاضطهاد والمظلومية التي استمرت معهم عقودا كثيرة حرموا فيها من حقوقهم الأساسية، ومورس تجاههم الإقصاء بل العنف

والتنكيل بصوره البشعة وكان يتوقع أنهم مع خروجهم من تلك الحالة في صورة الغالبين المتمكنين أن يبدأ تيار الانتقام والإقصاء المقابل، إلا أنهم تغلبوا على تلك الحالة -بفضل قياداتهم الدينية التي وقفت بقوة أمام هذا التوجه-.

وأصروا على مشاركة المكونات الأخرى في المجتمع العراقي، كما احتكموا -بالرغم من الأوضاع الأمنية والشحن النفسي- إلى صناديق الانتخابات، في نحوٍ يذكر بالانتخابات الحرة التي تجري خارج بلاد المسلمين عادة!.

كما أننا نشهد توجها متوازنا نحو الفعل السياسي في أكثر من منطقة من مناطق الشيعة، ومحاولة المشاركة السياسية بعدما كان هذا الأمر غير محسوم على المستوى النظري والفكري، فضلا عن الممارسة العملية..

ولاشك أن مثل هذا التوجه -بعد مرور مقدار من الوقت- سيكون له أثر كبير في إندماج الشيعة في أوطانهم، وخروجهم من التغييب والتهميش والإقصاء الحاصل له.

إن خروج الشيعة من حالة الانتظار السلبي والانفعال إلى مرحلة الفعل والدور يعد من أهم تلك العلائم التي تشكل الصحوة الشيعية..

الصحوة الشيعية ليس موجهة ضد فئة:

مما يؤسف له أن قسما من أبناء الأمة تعامل مع هذه الصحوة والنهضة تعاملا طائفيا غير مبرر، وكأنها موجهة ضد الطوائف الأخرى في الأمة، فبدأ بالتشويش عليها والتهويل مما وصفه بآثارها السلبية.. وهذا التعامل شمل السياسيين وقسما من المفكرين، ومن الطبيعي أن الجمهور سيسلك نفس الطريق هذا.

لقد أصبحنا نشهد في الإعلام عبارات عن خطورة (الهلال الشيعي)، وعن التخوف من الشيعة في مناطقهم المختلطة لأن ولاءاتهم خارجية وارتباطهم ليس بوطنهم!

إننا نعتقد أنه كان ينبغي أن يرحب المسلمون من الطوائف الأخرى بالصحوة الشيعية تلك والقوة الناهضة، وذلك لأن قوة أي جزء من أجزاء الأمة سيعود بالقوة على الأمة ككل.

لم يأخذ الشيعة مواقع غيرهم من الطوائف، أو يستقووا عليها وإنما الذي حصل هو أنهم صاروا أقوياء وغالبين في وجه أنظمة مرتبطة بالاستعمار الخارجي كما هو الحال في مثال الثورة الإسلامية في ايران، أو في وجه أنظمة علمانية لا ترتبط حقيقة بطائفة من المسلمين كما هو مثال الحالة العراقية، أو أنهم واجهوا إسرائيل وهي عدو الجميع.

فكان الصحيح أن يتم الترحيب بهذه الصحوة والغلبة.

نعتقد أن توجه الشيعة إلى المشاركة السياسية والاندماج ضمن المكونات الوطنية والدخول في المعادلة السياسية هو أمر مهم ومفيد لجميع المسلمين، إذ أنه ينظم العلاقات بين طوائف المسلمين على أساس معقول، ويتيح لكل فئة أن تتخذ خياراتها ضمن قدراتها وحجمها الواقعي.

إن من الطبيعي هنا أن يتم الاستقطاب بين التوجهات الموجودة في الأمة، تجاه الجمهور فيحاول كل فريق سياسي أو حتى مذهبي أن يستقطب له أنصارا ومؤيدين.. وهذا ما نفخ في قربته -مع الأسف- قسم من الدعاة والعلماء مهولين ومخوفين فيه من التبشير الشيعي، ومتنادين لوقفه، بل محرضين للحكومات والسلطات ضده!.

لقد تم الحديث في هذا الموضوع، مع الأسف، بنَفَس إقصائي، فهو يعتبر أن تحول شخص ما أو فئة إلى مذهب التشيع هو نوع من أنواع الاختراق الخطير، غير المقبول والذي يهدد النسيج الاجتماعي لوحدة المسلمين أو أنه يمهد للفتنة الداخلية..إلى غير ذلك مما ذكر.

ونحن نعتقد أن هذه الصحوة وهي شأن داخلي بالدرجة الأولى، حصلت عندما توجه الشيعة إلى أهمية تصحيح قسم من الأفكار السائدة، وتعديل بعض الممارسات القائمة، الأمر الذي انتج بمجموعه ما قدمنا ذكره.. وحيث أن الشيعة ليسوا فئة معزولة جغرافية بل هي متداخلة مع أبناء الطوائف الأخرى، ومع ملاحظة سهولة

التواصل وتبادل التأثير في ظل عولمة الاتصال والمعرفة.. حدث تحول في صفوف بعض المسلمين تجاه مذهب أهل البيت..مثلما يحصل عادة من تأثر بعض المجتمعات بوجود حركة أو حزب عامل.. حتى لو لم يكن في نظر تلك الحركة أن تؤثر في المجتمع، فإن قانون المجاورة يقتضي ذلك.

إن ما لاحظناه هو قيام الأنظمة السياسية باستغلال هذه الشعارات لتصفية حساباتها مع دول محسوبة على الشيعة، ومع قيادات شيعية، بل ومع مواطنيها الشيعة الذين أصبحوا متهمين بالارتباط بالخارج حتى تثبت براءتهم ولن تثبت! أو متهمين بالاختراق للمجتمعات غير الشيعية وسيكون التشيع ونشر فكر أهل البيت عندئذ من أدلة الجريمة والاتهام!.

لقد سعى هؤلاء إلى محاصرة التشيع حتى مناطقه، بأنه وافد حديث العهد، وبأنه حالة سياسية لا ترقى إلا إلى عدة عقود من الزمان، حتى لقد قال بعضهم إن الشيعة عليهم أن يرحلوا من بلاد العرب إلى الأماكن التي جاؤوا منها!.

سوف يتبين من خلال استعراض سريع أن (الشيعة العرب: هم المسلمون المنسيون) كما عنون أحدهم كتابه، وأنهم أصل التشيع، فتاريخهم يرجع إلى أعرق القبائل العربية كهمدان وعبدالقيس، بل إن تشيع إيران كان هدية العرب إلى الإيرانيين!.

في هذه الصفحات التي كانت في الأساس محاضرات ألقيت في موسم محرم 1430هـ، سوف يتم الحديث عن بعض مكونات الهوية الشيعية، لاختصار الطريق على من يريد التعرف على أهم ميزات وصفات التشيع، وذلك أن من أسوء الحالات التي يعيشها الشيعة في علاقتهم مع غيرهم هو تنميطهم بنمط واحد وسيء من قبل الآخرين، فإذا تم الحديث عن الشيعة فهذا يعني عند هؤلاء: سب الصحابة، وتحريف القرآن، والتقية (بمفهومها الخاطئ)، والغلو في علي وأهل بيته! سوف يحاول الحديث مع اختصاره أن يبين أهم مكونات تلك الهوية، بغض النظر عن قبول الآخرين لها،فليس مطلوبا أن يقبلني الآخرون، ولكن أن يفهموني كما أنا.. لا أن يصطنعوا لي صورة غير حقيقية ثم يتعاملوا معي على أساسها!.

وقد تم الحديث عن الشيعة في العالم، ومع أن الأكثر يحب أن يعرف عدد الشيعة الدقيق على مستوى العالم إلا أن المقال يتطرق إلى دلالات التنوع الجغرافي والعرقي واللغوي وتاريخ حكم الشيعة للبلاد الإسلامية.

كما تم التطرق إلى تاريخ التشيع والشيعة في أربع مناطق تتمتع بأهمية استثنائية ففي استعراض سريع تمت متابعة نشوء التشيع في العراق بدءا من تمصير الكوفة وتحول الإمام علي إليها فيما بعد، إلى أن تحول العراقيون في أكثريتهم إلى المذهب في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

ولبنان التي تحول فيها الشيعة اليوم إلى ما يشبه بيضة القبان، كان لهم تاريخ يبدأ من هجرة الهمدانيين من الكوفة.

كما تم الحديث عن تاريخ التشيع في إيران، وتبين فيه كيف أن التشيع في مختلف مراحله وصل وانتشر في إيران بواسطة الرواة والعلماء العرب الذين قدموا من الكوفة أولاً ثم لبنان والبحرين ثانياً.

وفي الاستعراض التاريخي تم الحديث عن التشيع في القطيف والأحساء والذي بدأ مع إسلام عبدالقيس في حوالي السنة السادسة للهجرة.

وأخيرا كان هناك عرض لبعض المشاكل التي يبتلى بها المجتمع الشيعي، ويلاحظ أن زاوية النظر هنا هو مجتمعنا الشيعي في القطيف والأحساء، وإن كانت ربما توجد بدرجة أو أخرى في غيره من المجتمعات الشيعية..

ولا أنسى أن أشير إلى أنه ربما نشر بعضها سابقا بشكل منفصل.

يلاحظ أن الكتاب هذا موجه إلى الطبقة الشابة متوسطة الثقافة، ولذلك فهو يعالج المسائل المذكورة ضمن لغتهم قدر الإمكان بعيدا عن الحديث التخصصي.

أسأل الله سبحانه أن يوصل هذا الكتاب رسالة إيجابية لمن يقرأه.. والله ولي التوفيق.

 

فوزي محمد تقي آل سيف