ميزات الإمامة الشيعية ( الإمام العسكري نموذجاً )

أضيف بتاريخ 11/19/2019
Admin Post


تفريغ نصي الفاضلة أم سيد رضا

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة )).

كلمة الإمام الآن أصبحت من الكلمات المتداولة والكثيرة الدوران عند الناس وفي الثقافة الإسلامية، لكننا عندما نتحدث عنها ضمن الإصطلاح في علم الكلام الشيعي نقصد بها معاني محددة لابد أن يتوفر حاملها على شروط وصفات، الآن حتى في الدائرة الشيعية يطلق على قسم من مراجع التقليد والشخصيات العلمية الكبيرة عنوان الإمام فضلاً عن غير هذه الدائرة، لكن في علم الكلام الشيعي نتحدث عن الأئمة المحدودين بأنهم اثنا عشر إماماً ونشترط عدداً من المواصفات حتى يحمل هذا الشخص عنوان الإمام وتنطبق عليه شروط الإمامة كما جاء في كلام الإمام الهادي عليه السلام ذكره عن الإمام الحسن العسكري في أحاديث كثيرة نص عليه فيها بالإمامة عندما قال: ( أبو محمد أصح آل محمد غريزة وأوثقهم حجة وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف وإليه تنتهي عرى الإمامة )، العرى: جمع عروة وعروة الشيء هو المكان الذي يتمسك به فيه كعروة الإناء وكذلك عرى الإمامة تنتهي إلى الإمام العسكري عليه السلام.

نشير هنا إلى أن الإمام الهادي عندما قال أن الإمام العسكري هو الأكبر من ولده كان في تاريخ هذا الكلام وإلا فإن الأكبر من ولده هو السيد محمد المعروق بسبع الدجيل والمدفون في العراق، لكن عندما قال الإمام الهادي هذا الكلام كان السيد محمد قد توفي ولذلك أصبح الإمام العسكري هو الاكبر من ولده.

هناك شروط متعددة لابد من توافرها في الشخص الذي يطلق عليه إمام في علم الكلام الشيعي:

الشرط الاول: قضية الإنتخاب الإلهي، أي أن يكون منتخباُ من الله عز وجل لا من الناس ولا من الإمام السابق له، كما يحدث الآن في الحكومات في قضية الخلافة عندما يأتي الأب ويعين ابنه خليفة من بعده أو في بعض الأماكن يكون هناك انتخاب للرئيس أو الوزير من قبل الناس وما شابه ذلك، لكن الإمام في مصطلح علم الكلام الشيعي لا دخل له في انتخابه لا لعامة الناس ولا للإمام السابق أي أن الإمام علي عليه السلام لم ينتخب الإمام الحسن عليه السلام وكذلك الإمام الحسن ليس هو الذي انتخب الإمام الحسين، والإمام الحسين ليس هو الذي انتخب الإمام السجاد عليه السلام وإنما الإنتخاب كما حددته الآية المباركة بقول الله عز وجل: (( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ).

مثلما أن قضية النبوة لا ترتبط بانتخاب الناس ولا ترتبط بانتخاب النبي الأب فكذلك هي قضية الإمامة، نجد أن الإمام أو النبي يخبر عن نبوة وإمامة من بعده فيأتي مثلاً نبي الله عيسى ويبشر بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويأتي النبي المصطفى ويخبر عن إمامة علي وعلي يخبر عن إمامة الحسن وهكذا لكن لا يعني أنه هو الذي ينتخبه ويختاره وإنما الإختيار تم قبل ذلك من قبل الله عز وجل.

هذا الإنتخاب أيضاً يقتضي ان يكون هناك لطف من الله عز وجل بهذا الشخص المنتخب فيكون معصوماً عن الذنب وعن الخطأ وعن النسيان لأنه لو لم يكن كذلك لحصلت مشاكل في تبليغه لرسالته أو في بيان أحكام الله من خلال إمامته، فالعصمة ليس شيئاً جبرياً ولا قسرياً وإنما هي لطف إلهي من جهة وعمل اختياري من جهة أخرى، مثلاً الإنسان يكون معصوماً عن ارتكاب الكبائر وسط الناس لأنه يرى أن ذلك أمر محرم وقبيح والناس جميعها تنظر إليه والله ينظر إليه أيضاً فلا يرتكب ذلك فالإنسان معصوم عن ارتكاب المعصية أمام الناس بهذه الدرجة، ونجد أن أضعاف هذه الدرجة مع اللطف الإلهي ينتهي إلى أن الإمام لا يعصي الله عز وجل في سره ولا في علنه سواء كان الذنب صغيراً أو كبيراً، فالنبي لو لم يكن معصوماً وكان والعياذ بالله يذنب ذنباً صغيراً او كبيراً فإن الإنسان العادي لن يقبل أن يذنب أحداً أمامه ثم يقول أنه نبياً من الله عز وجل، وكذلك الحال بالنسبة للإمام فالإمام الذي يخطأ ويذنب فإنه يحتاج إلى من يرشده وينهاه عن المنكر ويوجه فكيف يكون الإمام مأموماً وكيف يكون الآمر مأموراً ويصدر منه الذنب والخطيئة، فلا بد أن يكون معصوماً عن الذنب ويكون أيضاً معصوماً عن النسيان والخطأ لأنه لو لم يكن كذلك فماذا يدرينا ويقنعنا انه بلغ عن الله كل ما امره به فلعله نسي بعض آيات الله وبعض الاحكام، فلذلك لا بد أن تكون العصمة موجودة بالنسبة للنبي والأئمة.

من المواصفات أيضاً أن يكون لديه علم إلهي خاص لا يتوفر لسائر الناس لأنه حجة على كل البشر في زمانه فلذلك لابد أن يكون علمه أكثر من علومهم جميعاً وحتى يفوق كل العلوم لابد ان يكون عمن عند الله عز وجل، فلو فرضنا ان الإنسان لديه علم طبيعي واعتيادي فإنه يحتاج إلى الكثير من السنوات وقراءة آلاف الكتب حتى يصل إلى درجة الدكتوراه لكن الإمام العسكري عليه السلام تول الإمامة في عمر 22 عاماً، فالإنسان العادي مهما بلغ من الذكاء والجدية في الدراسة وأخذ العلم من مصادره الطبيعية إلا أنه لا يستطيع أن يحيط بكل العلوم.

لو أن شخصاً من عامة الناس سأل سؤالاً في الدين أو غيره فإن الإمام الذي يقول لا يعلم وليس عندي جواب لك فهذا ليس بإمام ولذلك لابد أن يكون عنده ما يحتاج إليه الخلق، كما يقول أحدهم بانه كان عند الإمام العسكري غلمان بعضهم أتراك وبعضهم صقالبة وبعضهم أحباش ففي ذلك الزمان كان العبيد يباعون في الأماكن وكان الإمام العسكري عليه السلام يكلم غلمانه كل واحد منهم بلغته حتى سأله أحدهم: يا مولاي أين تعلمت هذا؟ قال الإمام: إن الله أحكم من أن يجعل حجة على الخلق ثم لا يكون عنده ما لديهم وفوق ذلك، لذلك لم يؤثر حتى ولو بخبر كاذب أن الإمام سُئل عن مسألة معينة ولم يجب عليها وقد كان الخصوم يعترفون لهم بهذا أيضاً.

من هنا فإن قضية الإمامة في صغر السن وفي كبره لا تختلف عندها وكذلك لا تختلف في قصر المدة وفي طولها، فالإمام العسكري عليه السلام قد تولى الإمامة في عام 22 عاماً والإمام الجواد تولاها في عمر 9 سنوات ولم يوجد اختلاف بينهم لأن الله تعالى هو الذي انتخبهم ولأن الإمام في العمر الكبير أو العمر الصغير هو معصوم ولأن كلا العمرين كان لديه العلم الإلهي الخاص الذي يجيب به كل من سأل في كبر قضية من القضايا.

مدة إمامة الإمام العسكري عليه السلام كانت ست سنوات فقط وهي أقصر فترة من فترات أئمة الهدى عليهم السلام فبعضهم طالت مدة إمامتهم إلى 30 عاماً كأمير المؤمنين عليه السلام كانت إمامته من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أوائل سنة 11 للهجرة إلى سنة 40 للهجرة في شهر رمضان، فعندما نقول إمام هذا لا يرتبط بالحكم فليس بالضرورة أن يكون إماماً يعني أن يكون حاكماً، فقد يكون إماماً وهو جليس داره أو وهو سجين كالإمام الكاظم عليه السلام التي قاربت مدة إمامته إلى 35 عاماً مع انه في السجن فهذا لا يضر بعصمته ولا بعلمه شيء ولا يضر بتوضيحه لأحكام الشريعة وتبليغه بأحكام الله عز وجل، لكن أقصر مدة هي فترة إمامة الحسن العسكري عليه السلام التي كانت ست سنوات من أن تولى الإمامة إلى أن استشهد ومجمل عمره كان 28 عاماً.

في هذه الفترة القصيرة من الزمان مارس الإمام العسكري عليه السلام اموراً كثيرة ويتعجب فيها الإنسان، فيذكر الرجاليون عنه أنه كان لديه من الأصحاب والرواة وحملة الحديث ما يزيد على 200 راو وحامل حديث عنه سلام الله عليه، نعلم أن الإمام العسكري عليه السلام قد ابتدأ بممارسة التعليم ونشر الأحكام في زمان والده الإمام الهادي عليه السلام ولكن فترة إمامته كانت كذلك وقد نسب إليه تفسير للقرآن ويوجد كتاب تفسير للإمام العسكري عليه السلام وهو على قولين: بعض علماءنا يقولون أنه ليس صحيحاً نسبة هذا الكتاب للإمام العسكري عليه السلام، والبعض الآخر لا يستبعده، ولكن في الجملة فإن هناك آيات كثيرة من القرآن الكريم قد فسرها الإمام العسكري عليه السلام تفسيراً قد لا يهتدي إليه الكثير لولا إشارات الإمام عليه السلام وكذلك في الاحكام عنده شيء كثير لا سيما فيما يرتبط بقضايا التمهيد لغيبة الإمام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

بالرغم من أن الإمام الهادي عليه السلام قد سجن وتعرض لمحاولة اغتيال في زمن المعتز العباسي الذي سممه عليه السلام، فلما قام الإمام العسكري عليه السلام بمقام الإمامة وأدرك والده امر المعتز العباسي معاونيه بأن يخرجوا الحسن العسكري إلى الكوفة وأن يغتالوه في الطريق، فبعض أعوان الإمام عليه السلام الذين كانوا داخل السلطة كانوا يرون بأنه من الازم إخبار الإمام بذلك فأخبره، فقال له الإمام عليه السلام: لا تقلق فإني نازلت هذا الرجل عند الله عز وجل وأن امره يأتيك بعد ثلاثة أيام بعد هوان يمر به واستخفاف، وهذا معنى من معاني العلم الإلهي الخاص الذي كان لدى أئمة الهدى عليه السلام، فذا العلم لا يمكن تحصيله ضمن الأطر الطبيعية، وبالفعل بعد ثلاثة أيام وقبل ان يقوم الخليفة بإخراج الإمام من سامراء إلى الكوفة شغب الأتراك عليه وجروه من مجلسه من رجله إلى خارج محل الخلافة وضربوه بالدبابيس وهي مقامع حديدية وجعلوا يضربوه إلى ان أدموه وتركوه في الشمس حتى يتنازل إلى من يأتي بعده، وقد عزل هذا الخليفة وبقي الإمام الحسن العسكري عليه السلام على قيد الحياة واستمر في ممارسة نشاطه وعمله حتى جاء المهتدي العباسي الذي سجن الإمام العسكري عليه السلام في سجن خاص لأنه يعلم أنه عندما يسجن الإمام في سجن عام ويرى الناس أخلاقه وعلمه سوف يزيدوا تمسكاً به ولهذا قام بسجنه في السجن الخاص، وقد قال المعتز: سجنته ووكلت به رجلين من أشد خلق الله قسوة وإيذاءً وقد صارا من الطاعة والعبادة لله إلى أمر عجيب، ثم قام المعتز وأخرج الإمام من ذلك السجن حتى لا يتأثروا به أصحابهم.

بعدها جاء المعتمد العباسي الذي أقدم على سم الإمام العسكري عليه السلام، وإن طالت مدة حكمه إلا أنه فعل به الاتراك ما فعلوه بأسلافه ومن سبقه وقد عُزل شر عزله بعد ان افتقر على يد هؤلاء الأتراك وأصبح كالذي يتسول المال، وينسب إليه الشعر المشهور: (أليس من العجائب ان مثلي يرى ما قل ممتنعاً عليه، وتجبى بإسمه الدنيا جميعاً وما من ذاك شيء في يديه)، وبعد ذلك قتلوه.

من هذا نستنتج ان من يعتمد على الله عز وجل في كل شيء ويجعله حسيباً وناصراً سيجد الله ناصراً له فلا تقوى قوة في الكون عليه ولن يصيبه مكروه، ولكن من يتدرع ويتحزم ويتقوى بعباد مخلوقين كما فعل هؤلاء العباسيون الذين جاؤوا بغلمان اتراك واشتروهم بأموالهم وأفاضوا عليهم وجعلوا ولاءاتهم لهم حتى أعدوا لهم حرساً خاص وقد خرجوا من بغداد إلى سامراء لكثرتهم وبنيت سامراء في أصلها على أساس أنها معسكر ولذلك سميت بالعسكر وينسب إليها من يسكن فيها، والإمام العسكري عليه السلام سمي بذلك نسبة إلى محلة العسكر في سامراء، ولكن هؤلاء العسكر قاموا بقتل الخلفاء العباسيون واغتيالهم وهذا جزاء من اعتصم بغير الله.

أئمتنا عليهم السلام تمسكوا بالله عز وجل حتى إذا سجنوا وأوذوا واضطهدوا فذلك من أجل الله ومن أجل تبليغ أحكامه ورسالته ولا يضيرهم ذلك شيء بل أقدموا على ذلك راضين طائعين قابلين ما دام في سبيل الله ولسان حالهم كلسان حال أسلافهم: ( إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى )، وينبغي للإنسان المؤمن أن تكون مسيرته في هذه الدنيا على أساس رضا الله عز وجل، فأي سعي في غير رضا الله هو سعي خاسر وإي إنفاق في غير رضاه فهو إنفاق غير رابح.

الإمام العسكري عليه السلام بالرغم من قصر مدة إمامته إلا أنه كان تحت المراقبة الجبرية وكان يؤذى ويضطهد وقد سجن عدة مرات إلى أن باء اللعين المعتمد العباسي بإثم تسميمه عندما دس إليه سماً نقيعاً وبقي الإمام عليه السلام يتألم من حرارة السم إسبوعاً كاملاً حتى استشهد صلوات الله عليه.