الإمام علي (ع) ومحاربة الفساد بسيادة القانون

أضيف بتاريخ 06/26/2016
Admin Post


تفريغ نصي الأخ الفاضل عبد الله السلطان 
تصحيح الأخ الفاضل كمال الدوخي
 
تولى أمير المؤمنين عليه السلام الخلافة الظاهرية في المدينة المنورة سنة 35 للهجرة. بعد أن قُتل الخليفة الثالث عثمان على يد جمع من المسلمين لم يرتضوا سيرته. ولم تحل دون مقتله المحاولات التي بذل القسط الأكبر منها أمير المؤمنين عليه السلام. 
 
بعد هذه الحادثة التفّ الناس حول أمير المؤمنين عليه السلام المؤهل الوحيد لتولى هذا المنصب. وقد استغرق الأمر 25 سنة تقريبا بعد وفاة رسول الله ليجمع المسلمون على خلافة الإمام (ع) ومبايعته. وقد عبّر سيدنا أمير المؤمنين عن تلك الحادثة بقوله: (فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ).
 
وقد خطب أمير المؤمنين عليه السلام في اليوم الثاني من ولايته الظاهرية خطبة جاء فيها: (ألاَ إنَّ كُلَّ قَطِيْعَةٍ أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ، وَكُلُّ مَالٍ أَعْطَاهُ مِنْ مَالِ اللهِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ في بَيْتِ المَالِ، فإنَّ الحَقَّ لا يُبْطِلُهِ شَئٌ. وَلَوْ وَجَدْتُه قَدْ تُزُوَجَ بهِ النَّسَاء وَمُلِكَ الإمَاء وَفُرَّقَ في البُلدَانِ لرَدَدْتُه، فإنَّ العَدْلَ سَعَةٌ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الحَقُّ فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ). صدق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.
 
استهل الإمام سلام الله عليه عهده بعنوان  عريض  لخص به مرحلة حكمه، هو: العدل وسيادة القانون. وهذا خلاف ما درج عليه الحكام والسلاطين في سالف الأزمنة وحاضرها من تفريق الأموال احتفالا بوصولهم إلى السلطة وزيادة الأعطيات لشراء سكوت الناس.
 
إنه برنامج إجراء العدالة، الذي سيطال كل أجهزة الدولة بما فيها بيت مال المسلمين، فكل ما أُخذ بلا وجه حق سيعاد إلى خزينة الدولة، وإن مضى عليه زمن، وأينما تمّ صرفه. وقد كانت الأعطيات التي منحها الخلفاء السابقون للمقربين منهم كبيرة، وقد تصل إلى إقطاع قرى بأكملها.
 
أراد أمير المؤمنين استدراك هذا الوضع، وفرض سيادة القانون، لتشكيل مجتمع متحضر، لا يضطر فيه الإنسان إلى سلوك سبل ملتوية وغير قانونية من أجل الحصول على حقه، كالوساطات والرشاوى والاستعانة بالقوى الغاشمة.
 
* سعة العدل والقانون
قد يبدو للإنسان في أحيان كثيرة أن الإنصاف ينقص من نصيبه، وهذا فيه جزء من الصحة، فالعدل يحدد الأنصبة ولا يسمح لأحد بالاستيلاء على نصيب غيره تعديا وظلما، لكنه بنفس الوقت يحمي حقوق كل الأفراد من أي اعتداء.
وكمثال يقرّب مفهوم سعة العدل؛ فإن إشارة المرور التي يبدو لك أنها تؤخرك، لأنها تلزمك بالتوقف لدقائق؛ هي في الحقيقة تكفيك شر الفوضى، التي تؤخرك أضعاف تلك الدقائق. فإشارة المرور التي تؤخرك قليلا هي في الواقع تضمن لك النظام وانسياب الحركة على الطريق، وهكذا يصنع العدل. فسيادة القانون هي التي تصلح الأوضاع، وهي عنوان التنمية الاجتماعية، وبها يقاس تحضر المجتمعات.
 إن سيادة القانون هي ما أوصلت الدول الغربية إلى التحضر، وحلّت لهم الكثير من المشاكل التي مازلنا نعاني منها، مثل الحرية الدينية للأقليات، وغيرها من المشاكل. فلو وُجد قانون يحترم الفرد ويضمن له الحفاظ هويته لاختصر علينا الكثير من التفاصيل والجزئيات.
لهذا السبب كان أول العناوين التي طرحها أمير المؤمنين عليه السلام هو مواجهة الفساد والمفسدين، فالقانون يطبّق على الجميع بالتساوي، ولا تمييز لأحد بصفته قريبا للخليفة في النسب. 
 
إننا في ذكرى وفاة بطل الإصلاح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه يؤلمنا حال عالمنا الاسلامي، فمع ما فيه من الخيرات ومصادر الثروة إلا أنه يعاني من الفقر وتداعياته من بطالة وتأخر سن الزواج وصعوبة الحصول على مسكن، ... مثل هذه المشاكل تدل على وجود خلل خطير يحتاج إلى بطل كأمير المؤمنين لعلاجه. وقد اختط لنا سلام الله عليه منهجا إصلاحيا بسيرته وكلماته الخالدة.
 
* التركة الثقيلة للخلفاء السابقين 
لقد ورث الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من الخلفاء السابقين له تركة ثقيلة تنهج تقسيم العطاء بناء على الحسب والنسب، وهذا خلاف ما نزل به القرآن (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وخلاف ما جاء به الرسول (ص) (النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمِشْطِ). 
لقد أدخلت معايير أجنبية عن روح الإسلام؛ فهذا قرشي، وهذه زوج النبي، وهذا شهد بدرا وأحد، ... وجاء الخليفة الثالث بما فاق به سابقيه فأجزل العطاء لأقربائه بذريعة البر بأرحامه، ولكنه لم يبرهم من ماله الخاص بل من بيت مال المسلمين الذي هو أمانة في يده.
نقل التاريخ أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو من أقارب الخليفة الثالث من جهة أمه اقترض من بيت المال مبلغا ضخما، زاعما أنه سيرده بعد شهر، وكان الخازن على بيت المال في ذلك الوقت عبد الله بن مسعود، ولما حان موعد رد الدين رفض إرجاعه، رغم مراجعة ابن مسعود له مرارا وإلحاحه عليه. فكتب ابن مسعود كتابا إلى الخليفة الثالث بما حصل، فجاءه الرد من الخليفة: (إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال) فغضب ابن مسعود وقال: (كنت أظن أني خازن للمسلمين، فأما إذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك) وألقى بالمفاتيح. ومروان بن الحكم الذي طرده رسول الله (ص) من المدينة أعطي في زمن الخليفة الثالث خمس أموال أفريقيا.
في الدول الغربية قبل أن يتولى الرئيس المنتخب مهام الرئاسة لا بد أن يقدم كشفا بحساباته البنكية، حتى يحاسب بعد انتهاء ولايته لو أساء استخدام السلطة واستولى على أموال الدولة. نحن نستشهد بالدول الغربية لنحتج على من يقول بأن إصلاح الوضع في هذا الزمن غير ممكن.
 
*   سياسة الإمام (ع) في الإنفاق 
بعدما انتصر الإمام عليه السلام في معركة الجمل نادى في أهل البصرة: (دخلت بلادكم بأسمالي هذه، ورحلي وراحلتي ها هي، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين).
ولم يكن علي عليه السلام يحبس المال عن المسلمين، بل كان يقسم الأموال على مستحقيها وفق شريعة الله ثم يكنس بيت المال ويصلي فيه ركعتين.
وعندما استشهد في مثل هذا اليوم خطب الإمام الحسن المجتبى عليه السلام في الناس خطبة فقال: (لَقَدْ فَارَقَكُمْ رَجُلٌ بِالْأَمْسِ لَمْ يَسْبِقْهُ الْأَوَّلُونَ بِعِلْمٍ، وَلا يُدْرِكُهُ الْآخِرُونَ... قَدْ مَضَى وَمَا خَلَّفَ صَفْرَاءَ وَلا بَيْضَاءَ إِلا سَبْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَضَلَتْ مِنْ عَطَائِهِ، أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا خَادِمًا لأَهْلِهِ). رجل ملفه نظيف وصفحته بيضاء تماما، فشتان بين المثال الذي ضربه الإمام للأمة بمنهجه وبشخصه وبين سيرة المسؤولين في البلاد الإسلامية اليوم، الذين يجمعون الأموال ولا يفصحون عن مصدرها.
 
* سيرته مع عمّاله وولاته
وقد كان الإمام سلام الله عليه شديد المراقبة والمحاسبة لولاته على البلدان، ومن أمثلة ذلك كتابه إلى زياد بن أبيه (وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَني أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ الْأَمْر). وهنا يرد تساؤل عن سبب تولية الإمام لشخص مجرم كزياد ابن أبيه. الحقيقة أن زيادا كان واليا من قبل ابن عباس، فعبدالله بن عباس كان واليا على البصرة، والبصرة مصر كبير تتبعه بحسب التنظيم الإداري القديم مناطق مثل الأهواز وجنوب إيران. فكان زياد ابن أبيه واليا على طرف الأهواز وكرمان من قبل عبد الله بن عباس. كما أن زيادا لم يكن حتى ذلك الوقت إنسانا سيئا، بل كان يتميز بالحزم والقدرة الإدارية. لكن كانت عنده نقطة ضعف وهي كونه مجهول النسب. ويذكر أن عائشة حين أرادت أن تكتب له تحيرت إلى من تنسبه، وتخلصا من حيرتها كتبت: من أم المؤمنين عائشة إلى ابنها زياد. نقطة الضعف هذه استغلها معاوية لتجنيده، فأغراه بالاعتراف ببنوته لأبي سفيان ويصبح أخا له، كما وعده بأن يكرمه ويقربه ويعطيه منصبا رفيعا، وبهذا نجح معاوية في قلب موقف زياد ضد أمير المؤمنين.
 
وقد عزل أمير المؤمنين بعض ولاته بسبب خيانتهم وظلمهم، كالقضية المعروفة التي تنقل عن سوده بنت عمارة النخعي الخزاعية، التي قدمت على معاوية تشكو إليه بطش أحد ولاته، فلم يسمع شكايتها وهددها، فأنشدت شعرا تمدح فيه أمير المؤمنين بحضور معاوية: صلى الإلَه على جسم تضمنه .... قبر فَأصْبح فِيهِ الْعدْل مَدْفُونا. وروت له خبر قدومها إلى أمير المؤمنين سلام الله شاكية جور أحد ولاته، تقول: (فصادفته قائماً يريد الصلاة، فلمّا رآني انفتل، ثمّ أقبل عليَّ بوجه طلق، ورحمة ورفق، وقال: ألك حاجة؟ فقلت: نعم، وأخبرته بالأمر فبكى، ثمّ قال: اللهمّ أنت شاهد أنّي لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك، ثمّ أخرج من جيبه قطعة جلد وكتب فيها: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَْرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) وإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملك حتّى نقدم عليك من يقبضه، والسلام. ثمّ دفع إليّ الرقعة ، فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنّا معزولا.
 
* الإمام العادل قدوة للأمة 
هكذا كانت سيرة أمير المؤمنين مع ولاته وعماله، وأما سائر الناس فقد كان يقوّم سلوكهم بتقديم القدوة الصالحة. لأن الرئيس الفاسد لا يحق له محاسبة مرؤوسيه على فسادهم. والفساد يمكن أن يتفشى في كل القطاعات وعلى كافة المستويات، بين السياسيين الكبار أو بين الموظفين الصغار. فلا الكبير يعذر على التلاعب بالمقدرات التي تحت يده، ولا الصغير يعذر على الخيانة بدافع الحاجة وضعف الحال. 
 
* العدل أهم صفات الله تعالى 
العدل أهم صفة من صفات الله تعالى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}. الكون كله على قائم على أساس العدل والقسط، فإذا أراد المسلمون لمجتمعاتهم أن تتحضر فإنه يحتّم عليهم العمل على ترسيخ سيادة القانون كأساس وكأولوية.
 
* القانون لا يستثني أحدا 
لننظر إلى أعدائنا ونتعلم منهم، فالإسرائيليون أخزاهم الله وهزمهم من عوامل انتصارهم على الأمة الاسلامية أخذهم بأسباب التحضر. في سنة 2010 رئيس دولتهم كتساف قُدّم إلى المحاكمة بتهمة التحرش، وحكم عليه بالسجن. وأولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي حوكم سنة 2007 بتهمة الارتشاء بمبلغ لا يذكر. وهو الذي كان في وقت من الأوقات وزير الدفاع والآلة الحربية الإسرائيلية والموساد الإسرائيلي كلها تحت يده، كل هذه المناصب والصلاحيات لم تعصمه من سطوة القانون. وهذا ما جعلهم ينتصرون علينا.
 
* مشروع تم إجهاضه
هذا هو ما جاء به أمير المؤمنين سلام الله عليه منذ أول يوم تسلم فيه السلطة، لكن لم تتح له الفرصة. خمس سنوات وأشهر مدة خلافته سلام الله عليه شنت عليه خلالها الحروب وأشعلت الفتن، ولو أتيح له المجال أكثر لقدم إلينا المزيد من التجارب الرائدة. لكن كان ما كان أن خسرت الأمة الإسلامية هذا الطود الشامخ، على يد طائفة لا عقل لها، لم تعرف من الدين غير التدين الأحمق الذي يردي صاحبه ويهدم المجتمعات.