العبادات بين المقاصد والطقوس

أضيف بتاريخ 06/28/2016
Admin Post


شهادة الامام علي عليه السلام

تفریغ نصي الفاضل عبد الله العسكري

قال سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه "إن أفضل ما توسّل به المتوسلون إلى الله، الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، فإنه ذروة الإسلام وكلمة الإخلاص، فإنها الفطرة"  صدق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.

حديثنا بإذن الله تعالى يتناول موضوع العبادات بين الطقوس والمقاصد، بين الحروف والحدود، في إجابة على سؤال هو أن أمير المؤمنين عليه السلام، كان يمارس عبادات وطاعات مارسها غيره ممن كان معه. كانوا يصلون نفس هذه الصلوات، ويصومون نفس هذا الصيام، ويقرأون نفس هذا القرآن، ويستمعون إلى نفس الخطب التي يلقيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن الفارق بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين باقي الأصحاب ممن كان في عصره فارق كبير جدا. هذا وصل إلى أعلى المراقي، وأولئك لايزالون يحبون على الأرض. فما هو السر في ذلك يا ترى، بعد أن كان كلا الفريقين يستفيدون من نفس الأدوية ويمارسون نفس العبادات، ويقومون بنفس الأعمال؟! نحن نعتقد أن الفارق هو الفارق بين طقوس العبادة وبين غاياتها. بين حروف القرآن وحدوده. بين أشكال الممارسة وبين روحها، وقد كان لأمير المؤمنين عليه السلام الحد الأعلى من مقاصد العبادات وغاياتها، والحد الأعلى من آثار هذه العبادات، ولذلك وصل إلى ما وصل إليه، مما ينبهنا إلى أن جانب الغايات في العبادات، والمقاصد في الممارسات والحدود في تلاوة القرآن الكريم، هو الجانب الذي ينبغي أن يولى العناية الكبرى.

نحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى  شرّع هذه العبادات للبشر. كتب عليهم الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والخمس، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من العبادات.

هذه العبادات، لها جانبان: جانب المظهر، أو جانب الإطار، وجانب الغاية والهدف الذي تستهدفه. الصلاة فيها ركوع، وفيها سجود وقراءة وقيام، وقعود. هذا هو الهيكل الخارجي للصلاة. وهذا الهيكل الخارجي يستطيع كل إنسان أن يأتي به، حتى الكافر. فالكافر لو تعلم هذه الحركات يستطيع الإتيان بها. في رواية من الروايات: أن قوما خرجوا من خراسان إلى الكوفة، وكان يأمّهم في الصلاة رجل، فلما وصلوا إلى الكوفة علموا أنه يهودي. (هنا الحكم أن صلاتهم صحيحة لا يجب عليهم الإعادة فيها، ولكن جماعتهم غير صحيحة).

الشاهد هنا : أن اليهودي أيضا  إذا تعلم صورة الصلاة، يستطيع الإتيان بها. و الكافر إذا تعلم صورة الحج وما فيه من حركة دائرية حول الكعبة يستطيع أن يأتي بها، وحركة مستقيمة بين الصفا والمروة أيضا يستطيع أن يأتي بها. الصوم بما يعني الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، يمكن لغير المسلم أن يأتي به. يمكن للمسلم العاصي أن يأتي به، كمايمكن للمؤمن الخالص أيضا أن يأتي به.

الشكل والإطار والغلاف الخارجي للعبادة كل أحد يستطيع الإتيان به. الذي لا يمكن الإتيان به للكافر أو لبعض المسلمين، هو تحقيق غايات تلك العبادات.

"لعلكم تتقون" هذا لا يحصل عليه الإنسان الكافر. لماذا؟ لأنه يشترط صلة خاصة بالله، و استحضار لقضية التقرب من الله سبحانه وتعالى. "الإيمان بالله" كما ورد في الحديث "إن أفضل ما توسل به المتوسلون الإيمان بالله" هذا لا يحصل للكافر. وأيضا قد لا يحصل في صورته العالية لبعض المسلمين. الآن هل تتصور أن ابن ملجم لم يكن يصلي؟! كان يصلي ويصوم.  قطام كانت معتكفة في مسجد الكوفة في العشر الأواخر من شهر رمضان - بناء على بعض الروايات التاريخية -. الاعتكاف مستحب، فيه صوم ، فيه انقطاع عن عوامل الدنيا. حسب الروايات، كانت قد نصبت لها موضعا في ذلك المكان.

هذه تستطيع أن تأتي بصورة الاعتكاف وبإطار الصوم، لكن لا يمكن أن تأتي ب "لعلكم تتقون" لا يمكن أن تحصل على "تنهى عن الفحشاء والمنكر"

تمارس الصلاة، تمارس الاعتكاف، تمارس الصوم كإطار، كهيكل، كأحكام، بل ربما قراءتها وتلاوتها، كتلاوة كثيرين، مضبوطة من حيث التجويد والإعراب وإخراج الحروف من مخارجها بأحسن ما يمكن. لكن الكلام في المقاصد والغايات.

نحن نعتقد أن الإنسان يتقدم في مراقي الكمال عند الله سبحانه وتعالى، بقدر ما تؤثر فيه هذه العبادات، بزيادة إيمانه، وتقواه، وأخلاقه، هذا الذي يحصل عند قسم من الناس.

قلنا أن أمير المؤمنين عليه السلام  بلغ الغاية في ذلك. إذا صحت بعض الروايات التي تقول: أنه كان إذا تنشب فيه نبل وأريد أن ينتزع منه، انتزع منه في وقت صلاته لأنه ينقطع عن كل شيء ويتصل بالله سبحانه وتعالى. بينه وبين الله تكون صلة، فالصلاة صلة.

إذا صحت مثل هذه الرواية فهي تشير إلى هذا المعنى العميق من الاتصال بين الإمام وبين الله.

هذه صلاة، وصلاة أخرى الإنسان يصلي فيها ، ولا تبقى حاجة من حوائج الدنيا إلا وتأتي في أثناء تلك الصلاة: دوام الغد، وفطور المساء، وسحور الليلة، وفلان قال أو فلانة قالت. كل شيء موجود في تلك الصلاة إلا الصلة الخاصة بالله سبحانه وتعالى!

إذن في هذه العبادات، أغراض ومقاصد وأهداف، وهي تعطي لهذه الأمور قيمتها العليا والكبرى. ما قيمة الذي يفعل الشيء بلا غاية؟ يعني لو أن الله أوجب الصلاة بلا غاية، أوجب الصيام بلا هدف، فإما أن يكون - والعياذ بالله - جاهلا أو غير حكيم.

في القرآن الكريم لاحظوا في كثير من المواضع التي يأتي فيها تشريع، تنتهي بتذييل "وكان الله عليما حكيما" . فهو عليم بما في هذا العمل من منافع، وحكيم، بحكمته يتقصد أن يجعل هذا برنامجا للإنسان لكي يسمو بأخلاقه وبإيمانه. نحن أيضا لا بد أن نفكر في مثل هذا وإلا قد تنفصل العبادة عن مضامينها ومقاصدها، ونصير مثل بني إسرائيل، نحتال على الحكم الشرعي لا نحقق أغراضه. بينما الحج مطلوب فيه " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من فج عميق" لماذا؟

"ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات" منافع دنيوية ، منافع لقاء أئمتهم، التعرف على معالم دينهم، وأيضا ذكر ربهم، فهم يذكرون الله في هذا المواضع التي تذكر الإنسان بربه. هذا هو المفروض، ولكن يكون بالنسبة لبعض الأشخاص من ضمن الضجيج . كما قيل، ما أكثر الضجيج و أقل الحجيج. ذاك الذي يأتي لكي يتخلص من كل عوامل الدنيا ويعتبر نفسه لا يملك إلا هذين الثوبين، إذا ذهب إلى الحج ورجع أكثر حرصا على الدنيا، إذا ذهب إلى الحج حتى يتآخى مع إخوانه المسلمين، ورجع أكثر حقدا عليهم، فهو من جملة الضجيج ، وليس من جملة الحجيج. نعم لا يجب عليه إعادة الحج، ولكن المنافع التي وُعد بها لم تتحقق في نفسه.

"نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن"

ندب الإنسان لكي يقرأ القرآن الكريم طول السنة، لاسيما في شهر رمضان وهو ربيع القرآن. لكن ليس المقصود لآخر السورة .. اركض اركض حتى تنهي ختمتين أو ثلاث. وأنت لم تلتفت إلى المعاني. هذا (القرآن) هو خطاب الله لك، الله يتكلم إليك. مثلا: الآن عندما تستمع إلى أبيك، إذا غفلت عنه أو أشحت بوجهك، سيعتبر ذلك نوعا من قلة الاحترام.وسيقول: عندما أتحدث معك، يجب أن تتوجه إلي، أنا أبوك. فكيف إذا كان الأمر مع الله؟!  كما في الحديث "القرآن كلام الله وخطاب الله للإنسان" فالله يخاطبك، بينما أنت تفكر في كل شيء إلا في هذا الكلام. لا تتدبره ولا تعرف معناه ولا تصغي بسمعك إليه. في هذه الحالة يكون الأمر - لاسمح الله - مصداقا ل "كم تال للقرآن والقرآن يلعنه".

هذا الذي تمر عليه آيات القرآن الكريم مرارا، ومع ذلك يجرد السلاح في وجه المؤمنين، ويقتل المؤمنين ويفجر ويذبح. هذا أي قرآن قرأ؟! وبعضهم هؤلاء يحفظون القرآن عن ظهر قلب. هذا يحفظ حروفا ويضيع حدودا.

إذن يجب أن لا يكون الإنسان غافلا عن هذا الأمر.
أحيانا ظاهر الالتزام الديني موجود، ولكن آثاره وفوائده لا تكون موجودة. ومع الأسف فهذا الأمر موجود في مجتمعاتنا. بشكل عام نجد هذا الأمر في مثل هذه المجتمعات المسلمة. مع حفاظها على صورة العبادات، ومع تدقيقها الكبير في أحكامها الظاهرية، تجد الغش والخيانة والسرقة، وظلم الآخرين. وغير ذلك. وهذا مما يؤسف له، وينبغي أن يفكر الإنسان فيه. إذا وصل الإنسان يوم القيامة على هذه الحال، الله العالم ما هي عاقبته؟ أصل يوم القيامة قارئا للقرآن كثيرا، وكثير الصلاة، وكثير الصيام، لكن من الممكن أن يقال لي في يوم القيامة: "هذا هو المفلّس"  في العرف الإنسان المفلس: الذي لا يملك الفلوس. وعليه ديون كثيرة، تحجز أمواله، والغالب أنه يصدر له صك إفلاس مثلا. في الفقه أيضا، عندنا كتاب الحجر على المفلّس: الإنسان أحاطت ديونه بكل أمواله، وقد طالبه الديانة. يكون هناك نوع من الرقابة والنظارة عليه من الحاكم الشرعي.

وربما قرأنا هذا الحديث عن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "كان جالسا مع أصحابه فقال لهم: أتدرون ما المفلّس؟" فقالوا: من أحاطت ديوانه بأمواله، فقال: "لا هذا مفلّس الدنيا" - مفلّس الآخرة أمره أصعب. قالوا كيف يا رسول الله: "قال يأتي أحدهم بأعمال يوم القيامة مثل الجبال" (حسنات، عمرات، حجات، تبرعات، أعمال صالحة، صيام مستحب، صلوات مستحبة، أذكار) "فيأتي وقد ظلم هذا ، وقد شتم ذاك، وقد سخر من هذا واغتاب ذاك ونم على هذا فيأتون إليه (أنت اعتديت علينا - حتى ولو بكلمة- ، اغتبتنا، سخرت منا، اتهمتنا، أحرجتنا، عملت لنا أعمال سيئة، ظلمتنا لماذا؟.. وقفه يا رب فيوقفه، ويعطيه طريقا واحدا، افتدي نفسك وأعطهم ترضية، فيسألهم عن أي ترضية يريدون فيطلبون منه 100 ألف حسنة أو لا تنازل عن الظلم أو الشتيمة  أو التهمة أو السخرية أو الضربة أو الظلم فيقبل ويعطي الأول 100 ألف حسنة، ويأتي الثاني 100 ألف أخرى  والثالث والرابع والخامس ...   وذلك اليوم يسمى يوم التغابن. كل واحد يستقصي على الثاني ولا يريد أن يغبن نفسه، ويقول أنا أيضا محتاج في ذاك اليوم، والقصة ليست ليوم أو يومين وإنما طول هذه السنوات ..- الله يعيننا ويجيرنا في ذلك اليوم ويغفر لنا -  فالموقف صعب جدا.  أبيحونا أيها الناس قبل ذلك اليوم  ) خمسين سنة  عمر هذا الرجل، فيأتيه الدائنون وتنفذ كل حسناته … انتهت الحسنات وتلك الجبال تبخرت .. ولم ينته الدائنون .. فيطالبونه بالترضية فيقول: حسناتي نفذت، ولم يتبق لي شيء، فيقولون له : بسيط، نزيل من سيئاتنا وتكون عليك، وبهذا نرضى. والثاني يفعل، والثالث يفعل، وينتهي إلى أن رصيده لا يكون صفرا، بل يكون تحت الصفر مطلوبا بديون. عجبا فهذا كان مصليا، صائما، عابدا!! لكنه لم يحقق هذه المقاصد، لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يحقق "لعلكم تتقون" لم يحقق "ليشهدوا منافع لهم" لم يحقق "ليذكروا اسم الله" فيذكر ربه ولم يحقق "ولذكر الله أكبر" فإذا أراد أن يرتكب من أحد شيئا تذكّر الله سبحانه وتعالى. فنحتاج أيها الأحبة وأيتها الأخوات المؤمنات أن يبادر الإنسان إلى التفكير في عمله وغايات عمله، وفي مقاصد عبادته. نقلنا قبل مدة، وهذا مما به يستكشف أن أعمال الإنسان العبادية تؤثر فيه أو لا: أنا أصلي وأصوم وأحج وأذهب للزيارة، وأعتمر، وأذكر الله .. وغير ذلك.. فهل أثرت فيّ هذه الأعمال أو لا؟! هناك مقاييس طبّقها بينك وبين نفسك دون اللجوء إلى أحد. قم بقياس صمودك أمام الدرهم الذي لا يحل لك. إذا كنت لا تستحل أخذه، فيتبين أن هذه العبادة أعطت أثرها المطلوب تماما، وقد نقلنا قبل مدة  صورة معاكسة لهذا عن إحداهن عندما حوّل إليها بالخطأ مبلغ من المال، فسحبته بعد ساعة من الزمان، ولما روجعت في ذلك ادعت أن هذا من حقها وأنه تحويل عادي موجه إليها هي. ولما جمع بينها وبين من حول المال: قال أنا لا أعرف هذه المرأة ولم أحول هذا المال لها وإنما حولت إلى جهة أخرى وقد  حصل خطأ في كتابة رقم الحساب. ورفضت أن ترد المال إلى صاحبه. قيل لها أن هذا يؤدي إلى خسارة الموظفة التي نفذت عملية التحويل إلى نفس هذا المبلغ من المال، فلم تبال بشيء. فكيف يحل للإنسان أن يأخذ هذا المال؟! وقد يذهب به إلى حجة مستحبة إن كان من أهل الحج، أو زيارة مستحبة، أو يقوم بأحد الأعمال هنا وهناك .. لكن "إنما يتقبل الله من المتقين" هذا المال مطلوب من هذا الطرف، إن لم يكن الآن فيوم القيامة، فإن لم يملكه أخذ من حسناته، وإن لم يكن لديه حسنات، يضاف على سيئاته. هنا يتبين أن الصلاة تنهى عن سرقة مال الآخرين أو لا. تنهى عن التعدي على حق الغير أو لا؟ فإن كانت تنهى فنعمّا هي، وإن لم تنهى، فما أكثر المصلين الذين قال فيهم الله عز وجل "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين يراؤون ويمنعون الماعون" فأعمالهم على خلاف مؤديات الصلاة. أحيانا حتى بالاحتيال يكون العمل كبني إسرائيل الذين عليهم حكم بأن لا يعملوا في يوم السبت، بعض هؤلاء الذين لم يريدوا الالتزام بالحكم الشرعي، - وهذا أيضا من المواضع التي يمتحن فيها الإنسان بأن عبادته أثرت عليه وعادت عليه بالفائدة ورقّته أو لا؟ - فاحتال هؤلاء على الحكم. قرية من القرى كانت على طرف بحر (جزيرة: حاضرة البحر كما وصفها القرآن الكريم. فهؤلاء صنعوا لهم حظائر يفتحونها يوم السبت فتدخل الأسماك، ويغلقونها في مساء السبت، وفي صباح الأحد يجمعون هذه الأسماك. فذمهم القرآن الكريم، ووصف فعلهم بأنه احتيال على الأحكام الشرعية، ومخالفة للحكم الشرعي، "يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم") في حالتنا الإسلامية أيضا هناك أمور شبيهة أحيانا. جرب هذا في مواضع التحاكم إلى القضاء على غير رأي الإمامية - تعلمون أنه بيننا الإمامية وبين غير الإمامية في قضايا الميراث والطلاق، والحضانة مثلا يوجد اختلاف فمثلا عندنا أن الزوجة لا ترث من الأرض وإنما ترث مما على الأرض. ففي حال البيت، يقوّم البيت ومن قيمته ترث إما الثمن وإما الربع بحسب وجود الولد وعدم وجوده. أما الأرض الخالية لا ترث منها، فهل يقبل بهذا أو لا؟! يقول : لا .. أوكل محامي، يترافع في المحكمة غير الإمامية. في المحاكم غير الشيعية يورثون الزوجة من كل ما ترك الزوج. أرض، أو عقار، أو مال أو غير ذلك - هذا رأي فقهي عندهم ، وعندنا نحن الإمامية بخلافه - فتذهب إلى المحكمة غير الشيعية وتقدم شكوى بأنني لم أورث بالطريق الصحيح، فيلزم الورثة بدفع ثمن الأراضي لهذه الزوجة، لا سيما إذا كانت زوجة أب تكون المسألة أكثر تعقيدا  فتأخذها متصورة أنها أخذتها بوجه شرعي (المحكمة حكمت!) لكن الفقه الإمامي يقول بأن هذا غير جائز، وحرام، وسحت، لا تتملكين منه ريالا واحدا من الناحية الشرعية. فالحج والسفر باستخدام هذا المال لا يساوي شيئا لأنه حج بمال الغير مغصوب. تذهبين به إلى الزيارة .. زيارة بمال مغصوب، تذهبين إلى إمام حارب الأحكام التي لا تكون على طبق هذا المنهاج، تذهبين إلى الإمام تقولين: السلام عليك أيها الإمام، فلا يرد عليك السلام هذا إن لم يرد شيئا آخر. رتبي أمركِ على الطريق الشرعي واكسبي مالا من حله. حينها حتى لو لم تذهبي إلى الحج فأنت غير مستطيعة، وإن لم تذهبي إلى الزيارة فليس لازما، فهل أذهب إلى الزيارة بمال الغير المسروق؟! وبزعم أن المحكمة حكمت لي وأن بحوزتي صكوكا من المحكمة؟! ما قيمة هذه الصكوك؟! هذه أوراق! فإذا كان الإنسان ليس مالكا شرعيا لو تملك ستين صكا، لا يحل له أن يصلي بهذه الأموال ركعتين. هنا يتبين مدى تأثير صلاة الإنسان وصيامه وزكاته في نفسه. هل عمل بما أمر الله؟ هل نهته عبادته عن المنكر وهو سرقة مال الغير أو لا، "ولذكر الله أكبر" هل ذكرت الله عندما أخذت المال الذي لا يحل أو لا؟ نأتي لقضايا الطلاق الذي له شروط وأصول عندنا، فهي تكون إما مستعجلة أو لأي سبب من الأسباب تلجأ في قضية طلاقها لمكان آخر. إذا المكان الآخر إذا لاحظ الشروط فلا بأس، وأما إذا لم يكن كذلك فتبقى هذه في رأي فقهاء الإمامية لا تزال غير طالق، ولو تزوجت يكون قد تزوجها وهي ذات زوج، ومع الدخول تحرم عليه مؤبدا - على الرأي المشهور - أنت تريدين شيئا شرعيا فهذا هو الشيء الشرعي حسب فقه أهل البيت. لا تريدين فقه أهل البيت؟ ففي ذاك الوقت تقولين: كنت أنتمي لفقه أهل البيت ومن الآن وصاعدا  لا أريد فقه أهل البيت، أريد فقها آخر، عندها فقط يتغير الحكم. وكذلك الحال بالنسبة لأمور الحضانة وغيرها. فهل أنتجت هذه العبادات أثرا؟ هل خلفت فينا مقاصدها وغاياتها؟ اعرض الأمر على المال:

لا يغرنك من المرء قميص رقّعه

أو لباس فوق عظم الساق منه رفعه

أره الدرهم تعرف غيه أو ورعه!

رفع ثيابه! لبس هيئة معينة! ولحية وسبحة، هذا كله مظهر كل إنسان قادر عليه. تفصيل ثوب خاص وسبحة وشهر لا تحلق لحيتك فتكون "مطوع" وشيخ والى آخره .

العبرة في أمر الدرهم .. أره الدرهم، وأطمعه فيه، لوّح له بأمر الحرام فانظر كيف يتهافت عليه ؟

أو في موضع الاختبار الآخر . الحكم الشرعي إذا كان على خلاف مصلحته. مثلا: "أنا أريد أبنائي أن يكونوا معي". الحكم الشرعي ينص على أن حضانتهم سنتين لكِ، فما بعد السنتين  فالزوج أولى، فتعترض وتقول كيف يكون ذلك، أنا التي حملت . ، فتلجأ إلى حاكم غير إمامي، ورأي غير فقيه. لتكسب حضانة أولادها.  فهذه ممارسة غير صحيحة من الناحية الشرعية. نعم إذا رغب الشخص أن يغير مذهبه فذلك إليه. أما مع ثباته على المذهب فكيف يلعب في الأحكام فأكون معها إذا صبت في مصلحتي وإذا لم تكن كذلك آخذ من هنا وهناك.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يجعلنا من هؤلاء وأن يعيننا على العبادة في إطارها الخارجي بأن نحكم أساسها وشروطها وكيفيتها، وأيضا أن نحقق أهدافها وأغراضها ببركة الصلاة على محمد وآل محمد.

فأمير المؤمنين سلام الله عليه، مع أن من عاش إلى جانبه مارس نفس العبادات وقام بنفس الأعمال إلا أن الفرق الكبير بينه وبينهم أنه حقق مقاصد هذه العبادات وغاياتها وأغراضها في نفسه في أعلى الدرجات، لذلك يستطيع أن يقول " والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا أو أجر في الأغلال مصفدا أحب إلي من أن ألقى الله ظالما لبعض العباد"

فهذا أحسن إلي من أن أظلم أحدا لأن الظلم مرتعه وخيم . تعلمت من العبادة أن الظلم لا يحبه الله عز وجل. تعلمت من العبادة أنني عندما أكون في حالة صلاة لا أشعر بغير الله عز وجل، لا أفكر في شيء غير ربي وثوابه وجزائه، وهذا ما يذكره عنه ضرار بن ضمره، عندما دخل على معاوية بن أبي سفيان، فقال له يا ضرار : صف لي عليا، فمعاوية بعد شهادة الإمام كان يستدعي بعض أصحابه نساء ورجالا حتى يرى ما يقولون في حق أمير المؤمنين لعل أحدهم يشتمه أو يذمه أو يتكلم عليه فيستفيد معاوية من هذا الموقف. لكن أثبت الرجال أنهم سادة، والنساء أنهن وفيات لذكر علي  عليه السلام. فقال لضرار صف لي عليا، فقال: اعفني من ذلك، فقال معاوية لا بد لك من ذلك، فذكر الإمام بما هو حقه وبما عرف عنه فقال ضرار اي والله كان أبو الحسن بعيد المدى شديد القوى تتفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه كان يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته - هناك هو لا يستوحش هناك هو مع حبيبه ربه - كان يعظم أهل الدين -  ليس أهل الدنيا والمال - ويعطف على المساكين وكنا على قربه منا وتقريبه لنا، لا نكاد نكلمه لهيبته وأشهد الله يا معاوية أني رأيته ذات ليلة وقد ارخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو يتململ تململ السليم - السليم يعني الملدوغ من حية ، ما خطبك يا أمير المؤمنين خائف من ذنبك ؟ من معاصيك ؟ أنت من تقول في الدعاء ظلمت نفسي؟ فما نقول نحن - ويبكي بكاء الحزين ويقول إليك عني يا دنيا - ما الذي أعطتك الدنيا يا مولاي - أبي تعرضت أم إلي تشوقت، لقد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك حقير وأمدك قصير، يقول ثم : صاح آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق - أيها المؤمنون الطريق موحش وطويل ولا تنعلم ما يجري بعده - ثم هوى عليٌ إلى الأرض مغشيا عليه فقال معاوية : كيف حزنك عليه ؟ قال : حزن أم ذبح وحيدها في حجرها - يستحق أمير المؤمنين هذا الحزن وهو قليل في حقه فهو أشد الناس ظلامة في تاريخ الإسلام - فلا ترقأ عبرتها ولا تهدأ رنتها "